العقل ميزان العدالة في العلاج النفسي

 

 

من سخريات القدر أن العقل الذي أودع الله به كل أسراره وأسرار الوجود لم يعد ذلك الشيء الذي يمكن أعتباره مفتاح فهم وإدراك الحقيقة وقيمها بغض النظر عن مفهومنا لها، وتحول عند البعض إلى أداة مساعدة ليس أكثر من أداء وظيفة لا أخلاقية بالمقياس المثالي بالفضيلة والخير عندما سخر هذا العقل لأستغلال الإنسان وأستعباده، مره بقيم القوة وأشتراطاتها ومرة باسم الدين وتعاليمه التي فصلها الإنسان القوي على قياساته ليستعبد بقية جنسه، الحقائق لا يمكنها أن تقاد بفرض الواقع وإن خضعت فترة لكنها تبقى حقائق عصية على التدجين والتزييف، من هذه الحقائق أن كل شيء يبدأ بالعقل وينتهي إليه، فمن الممكن أن نعيش بلا دين فقد عاش أسلافنا أشكالا من حياة بلا دين ولا شريعة، ولكن لا يمكننا أن نعيش بلا عقل، فكل المعارف والأديان والعلوم والقوانين تحتاج لفهمها والإيمان بها إلى عقل قادر ولو جزئيا أن بدرك أهمية ذاته، فمن يقول أن لأديان لا تدرك بالعقل أبتداء فعلى من يسمعه أن يقول له كلمة واحدة، أنزع عقلك فهل يبقى عندك إيمان بشيء بما فيه أنك إنسان، العقل هو الرسول الأول والنبي الأقدم الذي جعله الله في الوجود المدرك، وما تبقى مجرد تحسينات على الأصل الأول.
من هنا نفهم طبيعة أزمتنا الوجودية إنها ليست أزمة دين وقيم ومناسك وعبادات وإيمان وكفر، بل هي أزمة أخلاق تتبدل بالقوة وعقل يخضع للترهيب والتجهيل والتغريب والتغييب رغما عنه بحجة حماية الله، وفي لب هذه الأزمة ندرك حقيقة مرة لا يريد أحد أن يبرزها للعلن، لأن في هذا الفعل تعري وشهرة وفضيحة يحرص البعض ممن يملكون مفاتيح تحريك العقل الجمعي على تغطيتها وبنفس العنوان حماية الله من الفضيحة، إنها أزمة مجتمع منفصل عن الواقع وعن الزمن وعن الوعي الأساسي واللازم ويريد لهذا الواقع أن يتغير بدون جهد ولا تعب ولا علم ولا معرفة، ظانا أن كلمة واحدة من سوبر إنسان ستعيد تشكيل الوجود بدون جهد ولا مشقة، لذا جلس ينتظر على قارعة الطريق وبوابات المدن أنتظارا لهذا الخارق المخترق، ولو كلفنا زمنا بعد ألف عام وعام فلماذا الأستعجال على التغيير، فليس هناك ما يدعو له طالما ناكب ونشرب ونتناكح ونخلف ولد وبنات وكان الله يحب المحسنين….. إلى متى أيها النائمون في قبوركم وانتم تحلمون بالحياة؟.
الحياة بمعادلاتها وقوانينها لا تسمح لمثل هذه المجتمعات أن تبقى رهينة أحلامها فتضعها بين خيارات صعبة، وتضعها في مواقف أليمة تنزل بها الدرك الأسفل لعل في لحظة ما تنهض من رقدتها وتثور، فإن بقيت على سكونها وسلبيتها بدأت بالتفكك والإنحلال والتلاشي حتى تغيب عن الماهية وتتوزع في تفاصيل صغيرة، كما تتفسخ الجثث إلى أجزاء في بطون الديدان أو الكائنات التي تعتاش عليها، فتذهب جفاء هباء دون حسرة على شيء فقد أستحقت الموت وهي في وعلى قيد الحياة، فكان موتها مركبا ومتعددا لأنها لم تقاوم ولم تدافع عن وجودها، الذين يدعون أن تمر الأيام والسنين والدهور دون أن يحركوا ساكنا بأنتظار مخلص كوني أو منقذ خارق، لا يرون في أنفسهم كائنات تستحق الحياة الحرة أو جديرة بها، لأنهم أختاروا الأنقياد كالقطيع والخضوع كالعبيد للغير حتى لو كان الغير مجرد فكرة، والله تعالى يقول من لا تغيره نفسه لا يغيره الكون كله ولو كان بعضا لبعضا ظهيرا، الله أودع في النفس القدرة والأشاءة وجعل العقل سلطانا على النفس، فمتى ما أستكان العقل وكسل أو تقاعد أو أقيل عن وظيفته، تتحول معه النفس إلى مطية للغير تركب في كل حين ولا يضرها أنها مركوبة حتى من الوهم والضلال.
إن إعادة الأعتبار للعقل وتقدير حقيقي لدوره الوجودي أداة وصانع وناقل ومنشئ وخبير في المعرفة يقتضي منا أن نعيد الأعتبار الأساسي لمفهوم الإنسان ذاته، أي أننا نحتاج لأعاده أكتشاف أنفسنا في كل مرة نشعر فيها بأن وقع أقدامنا تباطا مع حركة الزمن إلى أمام، حتى نبقى على خط الفعل والأثر بما يعني بقاءنا على خط الحياة الفعلي، سواء أكنا في حاجة لمنقذ أم نصنع منقذنا الخاص وهو الأولى، فالإنسان وحتى على مستوى الرسل والأنبياء والمصلحين العظام لا يمكنهم أن يغيروا واقع ويغيروا مجتمع ويغيروا قواعد وأليات وروابط أجتماعية دون أن يكون المجتمع على أستعداد قبلي أن يتحرك، تماما كحالة المريض الذي يذهب للعلاج على قدمية راغبا وناويا ومصمما على العلاج والخلاص من المرض، أما الذي يبقى طريح الفراش وينتظر أن الله يبعث له ملاكا أو كائنا ما ليعالجه، فسيبقى كذلك حتى يهلك وقد جنى على نفسه وأساء فهم الله.
لا تصلح الأمم والشعوب بالنوايا الحسنة ولا بالأحلام الكبيرة دون عمل ودون رؤية ودون مشروع منتظم جاد وعملي وعقلاني للتغيير والتطور، أما الشعوب التي يقودها أمل العاجزين وتجتر الروايات وقصص الأولين، وتأكل وتنام دون أن تنتظر فجرا لتنهض من جديد لتبني وتعمل وتفكر وتقود الوجود إلى الأفضل والأحسن، هذه ستبقى عالة على البشرية وعالة على الوجود الكوني كاه مثل قمامة تنتقل من مكب إلى مكب انتظر التفسخ والإندثار، وقد باعت عقلها ونفسها وشخصيتها بسوق لا يرتاده إلا كل فاشل ومأزوم خسر الماضي والحاضر والمستقبل، إنها تجارة بائرة لا تنفع ولا تدفع ولا تغير ولا تتغير حتى لو جاء ألف منقذ وألف مخلص وألف مهدي وهادي، طالما أن العقول مخدرة مغرر بها لا تعطي للعقل قيمة ولا للنفس كرامة.